الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
117
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يعرف كل شئ . ولكي يعلم الإنسان السبب في صعوبة الجزاء الإلهي . ولتأكيد حضور الله سبحانه في كل مكان وعلمه بكل شئ ينتقل الحديث إلى مسألة " النجوى " حيث يقول سبحانه : ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات . بالرغم من أن المخاطب في هذه الآية هو الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا أن المقصود هو عموم الناس ( 1 ) ، ومقدمة لبيان مسألة النجوى . ثم يضيف تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم ( 2 ) . نلاحظ هنا عدة نقاط تستحق الانتباه : 1 - " النجوى " و " النجاة " في الأصل بمعنى المكان المرتفع الذي انفصل عن أطرافه وجوانبه بسبب ارتفاعه ، ولأن الإنسان إذا أراد التكتم على حديثه يعتزل في مكان بعيد عن الآخرين ، أو بلحاظ أن المتحدث بالنجوى يريد أن ينجي أسراره من الكشف ويبعدها عن تناول أسماع الآخرين . 2 - يرى البعض أن " النجوى " يجب أن تكون بين ثلاثة أشخاص أو أكثر ، وإذا كانت بين شخصين فيقال لها ( سرار ) على وزن ( ستار ) إلا أن هذا خلاف ظاهر الآية ، لأن الجملة : ولا أدنى من ذلك تشير إلى أقل من ثلاثة أشخاص - أي شخصين - ومن الطبيعي أنه إذا تناجى شخصان فلابد من أن يكون شخص ثالث قريب منهما ، وإلا فلا ضرورة للنجوى . إلا أن ذلك لا يرتبط بما ذكرنا . 3 - والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا هي أن الآية أعلاه تحدثت في البداية عن نجوى ثلاثة ، ومن ثم عن نجوى خمسة ، ولم يرد الكلام عن نجوى أربعة أشخاص
--> 1 - " ألم تر " : من مادة ( رؤية ) في الأصل بمعنى المشاهدة الحسية ، إلا أنها في كثير من الموارد جاءت بمعنى الشهود القلبي والعلم والمعرفة . 2 - " نجوى " بالرغم من أنها مصدر إلا أنها جاءت هنا اسم فاعل ، أي من قبيل ( زيد عادل ) .